وهبة الزحيلي
152
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ أي قالت الملائكة أيضا : وإنا لنحن الصافون صفوفا في مواقف العبودية ، وإنا لنحن المسبحون باللسان وبالصلاة ، المنزهون اللّه تعالى عما لا يليق به ، فنحن عبيد فقراء للّه . والمقصود أن صفات الملائكة هي التذلل والعبادة للّه ، وليسوا كما وصفهم به الكفار من أنهم بنات اللّه ، وهو إشارة إلى درجاتهم في المعارف ، كما أن الأول إشارة إلى درجاتهم في الطاعة . ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال : « خرج علينا رسول اللّه ص ، ونحن في المسجد ، فقال : ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربها ، فقلنا : يا رسول اللّه ، كيف تصفّ الملائكة عند ربها ؟ قال : يتمّون الصفوف الأوّل ، ويتراصّون في الصف » . و في صحيح مسلم أيضا عن حذيفة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه ص : « فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ، وجعلت لنا الأرض مسجدا ، وتربتها طهورا » . وكان عمر رضي اللّه عنه إذا قام للصلاة يقول : أقيموا صفوفكم ، واستووا ، إنما يريد اللّه بكم هدي الملائكة عند ربها ، ويقرأ : وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ تأخر يا فلان ، تقدم يا فلان ، ثم يتقدم فيكبّر . ثم ذكّر تعالى بما كان يقول المشركون قبل البعثة النبوية : وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ : لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ ، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ أي إن المشركين كانوا قبل بعثة النبي ص ، إذا عيّروا بالجهل ، قالوا : لو كان عندنا كتاب من كتب الأولين كالتوراة والإنجيل ، لأخلصنا العبادة للّه ، ولم نكفر به ، فجاءهم محمد ص بالذّكر المبين فكفروا به ، وسوف يعلمون عاقبة كفرهم ومغبته . وهذا وعيد أكيد وتهديد شديد على كفرهم بربهم وبالقرآن وبالرسول ص .